الشيخ محمد حسين الحائري
119
الفصول الغروية في الأصول الفقهية
التكليف لا أصل العدم وذلك للقطع بحصول الاشتغال والشك في البراءة عنه وسقوطه فيستصحب الثاني أن الاستناد إلى الأصول الظاهرية إنما يصح حيث لا يعارضها ظاهر خطاب وقد عرفت أن الظاهر من إطلاق الامر عدم السقوط وأما ما ادعاه من أن ما أمر به بالامر الظاهري بدل عما أمر به بالامر الواقعي فممنوع إذ لا شاهد عليه على أنا نقطع بأن الصلاة بالطهارة اليقينية أو الظنية لم يؤمر بها من حيث كونها بدلا عن الصلاة بالطهارة الواقعية بل من حيث كونها هي فالاعتداد بالظن أو اليقين إنما هو من حيث كونه كاشفا عنها موصلا إليها وأما ما ثبت بدليته على تقدير العجز عن المبدل كالتيمم عن الوضوء وكالقعود وما بعده من الحالات المترتبة عن القيام فالدعوى متجهة فيه إذ الظاهر من البدلية عرفا ولغة سقوط الامر بالمبدل منه مطلقا نعم إذا كان الامر بالبدل على تقدير عدم التمكن من المبدل في تمام الوقت فعلم ذلك أو ظن حيث يعتبر الظن وأتى به ثم انكشف الخلاف رجع إلى الأصل السابق ثم لا يخفى أن الغرض الأصلي من هذا المبحث بيان كيفية دلالة الامر الذي هو دليل شرعي لا بيان حال البدل والمبدل اللذين هما فعل المكلف فالمسألة أصولية لا فقهية فصل اختلفوا في أن الامر بالامر بالشئ أمر للمأمور الثاني بذلك الشئ أو لا والحق أن مجرد الامر بالامر أو ما بمعناه كالايجاب لا يقتضي الامر لغة إلا إذا توقف صدور حقيقته من المأمور على الامر باتباعه فيه فيقتضي بظاهره الامر به بواسطة أمر المأمور لئلا يلزم الخروج عن ظاهر اللفظ أو التكليف بالمحال فلو قال له أوجب عليه كذا أو افرض عليه كذا أو قال أمره بكذا فإن كان المأمور الثاني ممن يجب عليه طاعة المأمور الأول ولو بنذر وشبهه أو كان المأمور الأول في الفرض الأخير أعلى مرتبة من المأمور الثاني بحيث يصح معه صدق الامر عرفا وإن تخلف عن الوجوب لو قلنا به لم يقتض الامر المذكور أمره بالاتباع لجواز صدوره ممن ليس له أهلية أمره أو الايجاب عليه وإلا أفاد بظاهره الامر به بواسطة أمر المأمور كما مر ويجوز أن يكون مفاده حينئذ ولو بالالتزام جعل سلطان وولاية له على المأمور الثاني بحيث يكون له الامر من قبل نفسه من غير حاجة إلى أن يكون مأمورا باتباعه ومن هذا الباب أمر الشارع ولي الصبي بأمره في موارده المقررة ولهذا يستحق الصبي معاقبة الولي عقلا وشرعا على تقدير مخالفته له دون معاقبة الشارع لعدم مخالفته له وأما عرفا فالظاهر منه الامر به مطلقا ما لم يقم قرينة على خلافه فإنهم يعدون الأمر الثاني مبلغا لا منشأ للتكليف ومؤسسا كما يشهد به تتبع موارد استعماله وإن كان اللفظ باقيا على معناه الأصلي هذا إذا كان المأمور به مادة الامر ونحوه وأما إذا كان صيغة الامر كقوله قل له افعل كذا فالتحقيق أنه لا يقتضي الامر بالفعل لغة مطلقا إذ ليس معناه إلا الامر بإطلاق هذا القول نعم يقتضيه بحسب العرف كما مر هذا كله إذا أطلق الامر بالامر أما إذا قال له مره عني بكذا أو قال له عني افعل كذا فلا ريب في أنه يدل على أمر المأمور من قبله وأن المخاطب مبلغ عنه وإن قال مره من قبل نفسك أو قل له افعل كذا من قبل نفسك دل على عدم كونه مبلغا فإن كان المأمور له أهلية الامر وإلا كان قضية ظاهر الامر في الأول إعطاؤه أهلية ذلك كما مر والظاهر أن هذين القسمين خارجان عن محل النزاع وأما ما احتج به النافون من قوله عليه السلام مروهم بالصلاة وهم أبناء سبع سنين حيث لا وجوب على الصبيان ومن أنه لا تناقض بين قول القائل مر عبدك بأن يتجر وبين قوله للعبد لا تتجر فغير مناف لما بيناه كما عرفت ويلحق بما مر ما لو ترامت الأوامر أوامره بالامر به ندبا أو ندب إليه الامر به وجوبا أو ندبا ومثله الإباحة والارشاد وقس على الامر حال النهي والملفق منهما ولو مع غيرهما وقد يعد من فروع المسألة قول القائل مر عمرا ببيع عبدي فهل له أن يبيعه قبل أمره أو لا وكذا لو قال إنه وكيلي عن بيعه فصل إذا تعاقب أمران بمتماثلين فإن كان هناك ما يرجح الحمل على المرة تعين الحمل عليها نحو صل ركعتين صل الركعتين وكقول المولى لعبده اسقني ماء فإن ظهور اللام في العهد وقرينة المقام في الثاني شاهد على عدم إرادة التكرار وكذا إذا كان ظاهر الخطاب أو المقام مفيد الإرادة التأكيد ووحدة المطلوب وإلا حمل على التكرار سواء كان في اللفظ ما يرجح الحمل عليه كقوله صل ركعتين وصل ركعتين إذ التأكيد بالواو قليل وأولى منه العطف بالفاء وثم أو لم يكن لان التأسيس أظهر من التأكيد في متفاهم العرف وهذا التعليل غير مطرد والتحقيق أن يفصل حينئذ بين ما إذا أورد لكل منهما سببا مغايرا لسبب الاخر كما لو قال إن جاءك زيد فأعطه درهما ثم قال إن أكرمك فأعطه درهما فاتفق المجئ والاكرام أو ذكر لأحدهما سببا وأطلق الاخر واتفق حصول السبب فيختار التأسيس في هاتين الصورتين على التأكيد على إشكال في الصورة الأخيرة لاحتمال حمل المطلق فيها على المقيد لكنه ضعيف على ما سيأتي تحقيقه في مقامه وإلى ذلك ينظر القول بأصالة عدم تداخل الأسباب وبين ما إذا لم يذكر له سببا له أصلا أو ذكر السبب الأول بعينه فيبتني في هاتين الصورتين على التأكيد كل ذلك يظهر بالتأمل في محاورات العرف مضافا في الثاني إلى أصالة عدم تعدد التكليف فقد اتضح بما قررنا ضعف القول بالمرة مطلقا وضعف القول بالتكرار مطلقا القول في النهي فصل لفظ النهي عرفا ولغة عبارة عن طلب العالي من الداني ترك الفعل على سبيل الالزام فخرج الدعاء والالتماس لعدم الوصفين والكراهة لعدم الالزام ومن أدخلها فيه أسقطه من الحد والمراد بالفعل مطلق الحدث أعني مدلول المصدر على ما سبق في حد الامر فدخل نحو لا تترك باعتبار الترك لتعلق النهي به حقيقة وإن خرج عنه باعتبار الفعل المقيد به وخرج نحو اترك باعتبار الترك وإن دخل فيه باعتبار الفعل المقيد به على ما مر وأما نحو كف واكفف عن الزنا فهو من باب الأمر عندنا سواء أخذ الكف مطلقا أو مقيدا بالزنا لصدق حده عليه دون حد النهي وما زعمه بعض المعاصرين هنا من أنه نهي باعتبار كون الكف آلة لملاحظة حال الزنا فضعيف إذ ليس اكفف موضوعا لطلب الكف بهذا الاعتبار كيف وما ذكره معنى حرفي والكف المأخوذ فيها معنى اسمي ولو سلم فلا نسلم أنه يكون حينئذ نهيا لعدم